قلب من ذهب أرض خضراء تزهر وتثمر فى خجل, تتجمع بيتاً بيتاً حول نهر اسطورى من التاريخ والنسمات المرهقة .
أبلد انتِ حقاً أم عالم مشع يغوص فى الظلام فينبت الأصالة؟ ... انظرى فى مرآة هذا النهر أيتها العظيمة .. طفل الواقع يجمع فى جيوبة رؤى واحلام وصور تتساقط قصة قصة وتبقى معتقدات, بعضها تحنط كالدمى القديمة المحشوة بالقطن وبعضها تنسك.
ولكن مايزال طفل الواقع يحمل فى جعبتة قصص يتمسك بها ويؤمن بها وقصص اخرى يقصها كذكريات يلهو بها كما يحلو له.
فى عام 1853 أتى الى مصر طائر مهاجر. نبات برى حط على اغصانها، عشقها وعشقتة، مهندس إنجليزى الأصل جاء الى مصر فى بعثة للمشاركة فى انشاء السكك الحديدية المصرية، أغمض عينية على صباح مصر جميل فسقط منه قناع لم يكن له وقبض بكفيه على دفء الحب وينابيع العطاء.
أسلم توماس بارتلت وسمى نفسه خليل واشهر اسلامه , وتزوج من بهانة ابنه شيخ بلدة كوم اشفين بمحافظة القليوبية 0
كان جدى خليل كلما سأله احدهم يقول: انا مسلمانى فصار لقب المسلمانى ملازما لأسرة خليل بارتلت التى بدأت هنا ببلدة كوم أشفين.
كانت بهانة المصرية الجميلة من اسرة ريفية كبيرة، وكانت كوم اشفين قرية كبيرة او بلدة صغيرة، اشتهرت فى ذلك الوقت بزراعة الكتان وكان لحصاد الكتان نكهة خاصة .
تتعرى الأرض من ذلك النبات الذهبى الجميل، ويجمع الأنفار القش فى حزم كبيرة، وينقلونها على ظهور الجمال والحمير، حيث تستقر بعد ذلك فى الترع والمساقى، وتسمى هذه العملية بالتعطين، اما موسم استخراج هذا النبات وتجهيزه فكان موسم جميل له عبق خاص حيث كانت النسوة يجتمعن فى المنزل الكبير "منزل جدى" ويجلسن حول خشبة يسمونها الرُكة لنقض نبات الكتان، وذات يوم انضمت الى جلسة الركة سيدة شولاء وبدأت فى نقض الكتان بيدها اليسرى, انزعجت جدتى بهانة ونهرتها وقالت اننا نعمل عمل جليل فى رزق للجميع واليد اليمنى تناسب أعمالنا أما اليد اليسرى فلا تستعمل الى فى الأعمال الحقيرة رغم ضرورتها ... انسحبت السيدة فى خجل لعجزها عن العمل بيدها اليمنى.
وضعت جدتى بهانة مولودها الأول الذي أسعد والده كثيرا وسماه محمد, طلبت جدتى من جدى خليل ان ينادى الشيخ عيسى ليأذن فى أذن الصغير اندهش جدى لهذا التقليد وسألها فقالت ليثبت اسلامه ويحفظه من الجان ضحك جدى ونادى الشيخ عيسى وأعطاه الطفل محمد وهو يرجوه ألا يصرخ فى أذنه ولكن الشيخ قرأ الأذان هامسا فى الأذن اليمنى والأقامة فى الأذن اليسرى مر عام وبدأ عام اخر اجتمع النسوة فى جلسة الركة حاولت احدى السيدات مداعبة محمد ولكنه لم يتكلم فقالت لجدته انا عندى وصفة تجعله يتكلم : "عند جارتى شجرة لبلاب وسوف احضر له ثلاث ورقات واكليهم لمحمد على الريق يتكلم بأذن الله" قالت هنية: هاتى ياست بهانة هون وهو عبارة عن وعاء نحاس ثقيل من النحاس الأصفر وله يد قوية نحاس ايضا ويستعمل فى سحق الثوم وخلافه .. نادت جدتى على احد الخدم لتحضر الهون النحاس وطلبت هنية ايضا قلة ماء . ملأت الهون بالماء واوامسكت بيد الهون وظلت تتدق الماء وتحدث جلبة والماء يتطاير ذات اليمين وذات الشمال ولا ترد على احد فقالت احدهم بدهشة : ياهنية هية المياه بتكسر فخرجت هنية عن صمتها وقالت ضاحكة علشان سى محمد يفسر ولازالت تدق الماء هكذا وكلما دخلت سيده تحتار وتسألها وتكرر الأجابة حتى صرن سبع سيدات وسبع اسئلة وسبع اجابات مكررة..
كفت هنية عن دق الهون واعادت ماتبقى من الماء فى كوب وشربة الصغير محمد والغريب انهم يقصون فى حكايتهم انه نطق فى اليوم التالى ومن قبل ان يأكل اللبلاب ..
ذاع صيت الست هنية لجدى محمد الأبن الأول لجدى الكبير خليل بارتلت فتوافدت النسوة من جميع الجهات كل منهم فى جعبتهم شكوى وسؤال وذات يوم ... جائت الى مجلس الركة تلهث وتبكى وتنادى خاله هنية لنجدتها، اجلستها جدتى وهدأت من روعها وسألتها عما بها فقالت : ابنى ... ابنى على جرى وراه كلب مسعور والواد اتفزع واغمى عليه ومش راضى يرد عليا ولما فاق مبطلش صراخ ومش عارفة ايه الى نابه فقالت هنية لجدتى "ده عاوز طاسة الخضة" هذه عبارة عن وعاء من النحاس يتدلى حوله قطع نحاسية صغيرة كتب بداخلها ايات قرأنية كثيرة سألتها أم المطروب كما يقال عنه فى الريف ماذا ستفعل هذه الطاسة فقالت انقعى فيها سبع بلحات ويمر عليهم المغرب والعشاء والفجر وبعد الفجر وعلى غيار الريق يشرب على الماء ويأكل البلح اذا استفرغ بعد ذالك تبقى كانت خضة وراحت لحالها وإذا استمر على حالة فهو فى حاجة الى زيارة اولياء الله الصالحين .
وضعت جدتى مولدها الثانى واسماه جدى مصطفى وكان مصطفى ابن نظرة كما يقول العامة على الطفل الجميل فقد كان يحمل وسامة والده وقوة جده لوالدته وكان جدى يحبة ويشعر بالغضب عندما يجد والدته تصر على تلبسه جلباب حقير ممزق ومرصع بالرقع وتتركه دون ان تغسل له وجه وفى كل مرة كانت تقول اصل مصطفى ابن نظرة .
وذات يوم حضر جدى من الغيط بعد يوم شاق وشعر بأنه حذائه يؤلمه فصعد الى غرفته وخلع حذائه وقص مقدمته لتخرج اصابعه فيشعر بالراحة وفى اليوم التالى خرج وهو يرتدى حذائه المريح فرأته زوجته فأنزعجت ... ليه كده ياخليل فقال ضاحكا (اصل انا ابن نظرة) ضحكت بهانة ,وخرجت احداهن تنادى على خالة هنية فأدخلتها جدتى حتى تأتى هنية سألتها جدتى عن حاجتها فقالت لها : ابني حسن اتأخر فى المشيّ وكل الولاد الى فى سنه رايحين جاين فى الحارة حضرت هنية وقالت لها انا هاقولك وصفة نفذيها بنفسك وبدأت فى فى وصف علاجها الفريد قالت : أربطى رجليه بسعفة نخل ثلاث عقد واملائى حجره بالحمص وأذهبى به الى الجامع فى ساعة صلاه الجمعة وأجلسى به على بابه وعند خروج اول المصلين اطلبى منه ان يحل العقدة الأولى, وعند خروج المصلى الثانى اطلبى منه فك العقدة الثانية وكذالك الثالث, واعطى كل منهم حفنة من الحمص فتنحل عقدة ابنك ويمشى بأذن الله... كان جدى خليل يشغل باله العمر الذى مر به وهو غير مسلم وكانت جدتى الطيبة بهانة تجمع له الفقهاء يصلون له مامر من عمره حتى تكتمل صلواته ويطمئن قلبه بذلك وكان جدى يسعد كثيرا بهذا رغم ذكائه الخارق . أنجب جدى وجدتى طفلهما الثالث عثمان, وكان عثمان صغير الحجم ويشبه شقيقة محمد ولكن محمد كان له عينا أمه الناعسة .
كان والدى حسين أبن عثمان اخر العنقود وكانت والدتى زينب ابنه مصطفى الجميل. جدى مصطفى تزوج أربعين سيده اثنين ثوابت الأولى ناظلى هانم والأخيرة اسماء هانم والباقى يبدلهن كما يبدل ملابسه, وكان لديه عبد وجاريتان سوداوتأن لكنه لم ينجب سوى اربعة,,,, الفرق بين خالتى وماما 20 سنة تربت والدتى فى هذا المنزل الذى تبدلت عليه الضراير والخادمات من مختلف الجهات..... كانت امى زينب سيده شيقة الحديث تحمل فى رأسها ملايين القصص والحكايات والمعتقدات التى لم تكن الا حافظة لها لحمايتها من الضياع .
كانت زوجة جدى الأولى نظلى هانم تجيد قرأة الفنجان وكان النسوة والأولاد والخدم يحبونها ويحترمونها ويجتمعون حولها عند قرأة الفنجان كانت تتمتع بالفراسة والذكاء .
أجتمع الجميع حولها ذات يوم وجهزت أحداهن صينيه القهوة والبكرك ووابور السبرتو، وتوافد الجميع حتى اجتمعت الجلسة الدافئة وبدأت الست اسماء فى قلب الفنجان لكن جدتى نظلى قالت لضرتها لايجوز يا "أسما" قرأة الفنجان يوم الحد فهو مشئوم لأنه ليلة وفاه الرسول عليه الصلاه والسلام وقد توفى يوم الأثنين .
مدت نبوية يدها وسحبت فنجان الست اسماء خلسه وتسحبت خارجة من الحجرة لكن نظلى هانم نادت عليها وسألتها بأبتسامة خبيثة لماذا اخذتى هذا الفنجان بالذات..... أطرقت نبوية خجلا، وضحكت نظلى هانم وقالت أصل نبوية طالع بين حواجبها دمل شوه جمالها واعتقدت ان اسماء حسدتها اتركيها يا اسماء تتبخر بتنوة البن عشان تستريح وضحك الجميع ولكن نبوية تمسكت بالفنجان وخرجت مسرعة من الحجرة وبدأت ناظلى هانم تستعرض معلوماتها عن البن بأن القهوة كانت اسم من اسماء النبيت لذلك فإن البن يعتبر تجارته غير مشروعه ونظرت ناظلى هانم فى اتجاه الفتيات الجالسات وقالت طبعا شرب القهوة لايجوز للبنات ونظرت إليهم محذرة .
شعرت البنات بالخجل وفرت كل منهم هاربة من مجلس القهوة.....من تلك الحكايات وهذا التاريخ موروث جميل كنت احب الأحتفاظ به وجمعه حتى وجدت ان لدى ثروة تراثيه شيقة وغنيه, ترددت كثيرا قبل طرحها على الورق لكنني شعرت انها امانه حملتها ويجب على توصيلها للأجيال التى تستمع الى ماتبقى من قشور هذه العادات التى بدأت فى الأنحسار والأندثار, والأن اكتب بعشوائية وبلاتنظيم مخزون جميل لم تكن جداتى أوأمى تتصور مدى غنى مادته، وتحية عطرة جميلة الى أرواحهم الرائعة 0
عصمت المسلمانى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق